مؤشر المليارديرات: كيف فقد إيلون ماسك الصدارة ليومٍ واحد
في العاشر من سبتمبر عام 2025، ضجّت العناوين حول العالم بخبرٍ لافت: "إيلون ماسك يفقد لقب أغنى رجل في العالم" لكن الحدث لم يستمر سوى بضع ساعات.
ففي تمام الساعة 10:10 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، تجاوز مؤسس شركة "أوراكل"، لاري إليسون، ثروة ماسك على مؤشر بلومبيرغ للمليارديرات، وهو تصنيف يُحدَّث يومياً في الوقت الفعلي. غير أنّ الأمور انقلبت مجدداً مع إغلاق الأسواق عند الرابعة مساءً، حيث استعاد ماسك موقعه في القمة.
خلال السنوات الثلاث الماضية، حافظ ماسك في معظم الوقت على الصدارة، رغم أن برنار أرنو من مجموعة LVMH وجيف بيزوس من أمازون قد نجحا في انتزاعها لفترات امتدت أسابيع أو حتى أشهر، كلما تعثرت "تسلا" أو ارتفعت أسهم شركاتهما.
إلا أن يوم 10 سبتمبر كان مختلفاً في سرعته غير المسبوقة:
قفزة إليسون لم تدم إلا لساعات قليلة، لكنها كانت كافية لتجاوزه ماسك مؤقتاً. لم يكن ذلك محض صدفة زمنية، بل دليلاً على مدى سرعة تأثر الأسواق بالأخبار، وكيف يمكن ليوم تداولٍ واحد تحكمه عواطف المستثمرين أن يعيد رسم خريطة مؤشر بلومبيرغ للمليارديرات.
قوة انحياز الارتساء
ما علاقة العواطف بتبدّل المراتب في قائمة أغنى أغنياء العالم?
الإجابة ملخصّة في كلمة واحدة: الارتساء.
انحياز الارتساء هو ميلنا إلى التمسك بالرقم الأول الذي نراه وجعله معياراً للحكم على ما يليه، حتى لو كشفت الصورة الكاملة غير ذلك.
في 10 سبتمبر، تفاعل المتداولون مع تقرير أرباح شركة "أوراكل" التي يرأسها إليسون، مستندين إلى رقمٍ واحد سيطر على السرد الإعلامي.
ذلك الرقم أصبح المرساة التي دفعت سهم الشركة إلى الصعود الحاد، ومنحت إليسون ثروة مؤقتة تجاوز بها إيلون ماسك.
النتيجة؟
إيلون ماسك يخسر الصدارة، ولو لساعات معدودة.
قراءة السوق
انحياز الارتساء يشرح ردّ الفعل، لكن لفهم السبب الحقيقي وراء تأثير "أوراكل"، علينا النظر إلى هوية الشركة أولاً.
ما هي شركة أوراكل؟
بينما تهيمن "تسلا" على العناوين بصفتها شركة موجهة للمستهلكين، تعمل "أوراكل" خلف الكواليس، مشغّلةً أنظمة المستشفيات والبنوك والهيئات الحكومية حول العالم.
تأسست هذه الشركة الأمريكية العملاقة عام 1977 على يد لاري إليسون، وكان منتجها الأول قاعدة بيانات أوراكل التي صدرت عام 1979، ولا تزال حتى اليوم ركيزة أساسية للبنية التحتية في عددٍ كبير من المؤسسات حول العالم.
وسرعان ما تجاوزت الشركة حدود قواعد البيانات، لتتوسع في مجالات عدة عبر العقود التالية:
1989: إطلاق Oracle Financials لإدارة الحسابات والمدفوعات.
التسعينات: دخول مجال الموارد البشرية وسلاسل الإمداد.
1998: طرح أول نظام لإدارة علاقات العملاء (CRM).
2001: إطلاق Oracle E-Business Suite 11i، أول منصة موحدة تجمع التمويل والموارد البشرية وسلسلة التوريد وإدارة العملاء.
2007: إصدار النسخة R12، التي عززت التكامل ورسخت مكانة أوراكل كبنية تحتية للمؤسسات الكبرى.
واليوم، تنافس "أوراكل" عمالقة التكنولوجيا مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل في مجال الحوسبة السحابية من خلال Oracle Cloud Infrastructure (OCI) التي انطلقت عام 2016، مع استمرارها في تحقيق إيرادات قوية من برمجياتها المؤسسية الأساسية.
محطات بارزة في مسيرة أوراكل
1986: طرح أسهمها في البورصة كان من أكبر الاكتتابات العامة في الثمانينات.
سبتمبر 2000: خلال فقاعة الإنترنت، بلغ سعر السهم نحو 47 دولارًا، ما رفع ثروة إليسون إلى قرابة 60 مليار دولار.
يناير 2010: استحوذت على "صن مايكروسيستمز" مقابل 7.4 مليارات دولار، مما منحها السيطرة على لغة البرمجة "جافا" .
كيف حدث صعود أوراكل؟
في التاسع من سبتمبر 2025، وبعد إغلاق السوق بساعة واحدة، أعلنت "أوراكل" نتائج مالية صادمة للأسواق:
توقيع أربعة عقود بمليارات الدولارات مع ثلاث شركات عالمية كبرى.
رفع التوقعات لعائدات وحدة OCI إلى 18 مليار دولار، مقابل 10 مليارات في العام السابق.
ارتفاع الالتزامات المستقبلية إلى 455 مليار دولار، بزيادة 359% على أساس سنوي.
نمو إيرادات البنية التحتية السحابية بنسبة 55% لتصل إلى 3.3 مليارات دولار.
وفي اليوم التالي، اندفع المستثمرون للشراء.
قفز السهم بأكثر من 30% في الساعة الأولى، ليصل إلى 357 دولاراً منتصف اليوم. وارتفعت ثروة إليسون إلى 393 مليار دولار، متجاوزاً ماسك ومحدثاً ضجة عالمية.
لماذا ترتبط ثروة إليسون بسهم أوراكل؟
في ذلك اليوم، أغلقت أسهم "تسلا" عند 347.79 دولاراًُ، بينما أنهت «أوراكل» التداول عند 328.33 دولاراً – أرقام متقاربة، لكن ما كان على المحك لم يكن سعر السهم بل حجم الملكية.
إذ يمتلك إليسون حوالي 40% من أسهم شركته، بينما يملك ماسك 15.73% فقط من "تسلا"، مع استثمارات موزعة على "سبيس إكس"، "نيرالينك"، "xAI"، و" X".
هذا التركّز في الملكية جعل ثروة إليسون ترتفع نقطة بنقطة مع السهم، وعندما قفز بنسبة 30% في 10 سبتمبر، قفزت ثروته معه، متجاوزة ماسك لبضع ساعات.
فهم السلوك النفسي للسوق
ارتفاع ثروة إليسون المذهل كان نتيجة تركّز الملكية، لكن صعود السهم الحاد نفسه كان نتاجاً لعاملٍ نفسي.
المستثمرون لم يُوازنوا بين جميع البيانات، بل تمسّكوا برقمٍ واحد : 455 مليار دولار.
هذا الرقم أصبح "المرساة" الذهنية التي جذبت الاهتمام كله حولها.
وهنا يكمن جوهر انحياز الارتساء.
ما هو انحياز الارتساء؟
هو الميل إلى اعتماد الرقم أو المعلومة الأولى كمرجع أساسي يصعب تعديله لاحقاً، حتى مع ظهور حقائق جديدة.
في الأسواق، غالباً ما يتمسك المتداولون برقْمٍ بارز، مثل مفاجأة أرباح أو توقعات نمو ضخمة، ثم يعجزون عن تعديل رؤيتهم لاحقاً رغم ظهور معطيات معاكسة.
وهذا بالضبط ما حدث مع أوراكل:
تجاهل المستثمرون انخفاض الإيرادات عن التوقعات بـ 110 ملايين دولار، وركّزوا فقط على عقود الذكاء الاصطناعي والالتزامات المستقبلية، ما جعل الصورة الإيجابية تتفوق على التفاصيل الأقل بريقاً.
الفرق بين انحياز الارتساء وانحياز الحداثة
قد يختلط الأمر بينهما، لكن الفارق جوهري:
انحياز الارتساء يجعل الانطباع الأول ثابتاً.
انحياز الحداثة يجعل الانطباع الأخير هو المسيطر.
الأول يُقيّدك في البداية، والثاني في النهاية – وهما وجهان لعملة واحدة.
عناصر انحياز الارتساء
التعلق بالرقم الأول
الرقم الأول يصبح نقطة الانطلاق التي يُقاس عليها كل شيء لاحق.
في حالة أوراكل، كان هذا الرقم هو 455 مليار دولار.
ضعف التعديل
حتى عند ظهور بيانات جديدة، لا يُغيّر المستثمرون موقفهم بما يكفي.
فقد تجاهلوا خسارة الإيرادات الطفيفة وواصلوا تمجيد رقم الالتزامات الضخم.
لم يُجرِ المستثمرون سوى تعديلاتٍ طفيفة حتى عندما أعلنت "أوراكل" أيضاً فجوةً في الإيرادات بقيمة 110 ملايين دولار؛ فقد ظلّت الالتزاماتُ المتراكمة هي العنوانَ المهيمن.
حلقة التأكيد
بمجرد الارتساء، يبدأ الدماغ في البحث عن الأدلة التي تدعم الرقم الأول، متجاهلاً الأدلة المناقضة.
المحللون أشادوا بعقود الذكاء الاصطناعي وتجاهلوا المؤشرات الضعيفة.
مضاعف التوتر
في الأسواق المتوترة، يتضاعف الارتساء.
الخوف من تفويت الفرص (FOMO) يدفع المستثمرين للتشبث أكثر بالرقم الأول كشبكة أمان نفسي.
دراسة حالة: ارتفاع الذهب التاريخي في 2025
لا يقتصر انحياز الارتساء على الأرباح أو الثروات، بل يظهر أيضاً في الأسواق العالمية.
في 5 سبتمبر 2025، فاجأ تقرير الوظائف الأمريكي (NFP) الأسواق بإضافة 22 ألف وظيفة فقط مقابل توقعات بـ 150 ألفاً، وارتفاع البطالة إلى 4.3%..
هذا الرقم الأول أصبح المرساة.
فسّر المستثمرون الاقتصاد بأنه يضعف، واندفعوا نحو الذهب كملاذ آمن، ليصل إلى 3,673.95 دولاراً للأونصة بحلول 8 سبتمبر.
لكن الصورة الكاملة كانت أهدأ بكثير:
زيادة طفيفة في البطالة وتعديلات متواضعة في البيانات السابقة — إلا أن الرقم الأول طغى على كل شيء.
الفرق عن حالة أوراكل
في حين ارتكزت موجة أوراكل على تفاؤل النمو، استند ارتفاع الذهب إلى الخوف.
في الحالتين، سيطر رقم واحد على السرد، لكنه دفع العواطف في اتجاهين متناقضين:
الأول نحو الفرصة، والثاني نحو الأمان.
التغلب على الانحيازات المعرفية
إذا كان انحياز الارتساء يجعل المتداولين أسرى لرقمٍ واحد، فكيف يمكن كسر هذا النمط؟
الجواب يأتي من ميدانٍ غير متوقع: الجيش.
في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وخلال ذروة الحرب الباردة، استخدمت القيادات العسكرية الأمريكية أسلوباً يُعرف بـ "الفريق الأحمر" أو (Red Teaming) حيث يلعب فريق دور "الخصم" لاختبار الاستراتيجيات وكشف الثغرات قبل أن يفعلها العدو.
ما هو مفهوم الفريق الأحمر؟
الفكرة بسيطة: كن خصم نفسك قبل أن يكون السوق كذلك.
بدلًا من الارتساء على الرقم الأول، اختبر افتراضاتك بعينٍ ناقدة.
بالنسبة للمتداولين، يعني ذلك:
قلب وجهة النظر
تحدي المنطق الشخصي
اختبار السيناريوهات البديلة
إذا كنت متفائلاً، ابحث عن الجانب السلبي.
اسأل نفسك: ماذا لو فشل هذا السيناريو؟
عامل صفقاتك كما لو كنت خصمك – لا لتفشل، بل لتراها بموضوعية.
خلاصة الحكمة
الدرس يتجاوز إليسون وماسك.
ما حدث كان انعكاساً للطريقة التي يتعامل بها المتداولون مع المعلومات.
انحياز الارتساء جعل رقماً واحداً، 455 مليار دولار، يطغى على كل ما عداه، ودفع الأسواق إلى رد فعلٍ كافٍ لتغيير ترتيب أغنى شخص في العالم ولو لساعات.
الرسالة واضحة:
الأسواق تُدار بعلم النفس، وانحياز الارتساء أحد أقوى قواه الخفية
اعرف المرساة.
تحداها.
وانظر إلى الصورة الكاملة قبل أن يفعل الآخرون.
أفكار ختامية
عند إغلاق السوق في 10 سبتمبر، أنهى سهم أوراكل التداول عند 328.33 دولاراً، بارتفاعٍ قدره 36%، وهي أكبر قفزة يومية منذ عام 1992.
ومع مرور الأسابيع، تراجع السهم إلى 291.33 دولاراً بحلول 25 سبتمبر، في إشارة إلى أن السوق كان يستوعب الارتفاع لا يلغيه.
بالنسبة لشركةٍ لطالما اعتُبرت العمود الفقري للبنية المؤسسية، مثّل ذلك اليوم نقطة تحوّل.
لقد أثبت أن تحول "أوراكل" إلى الحوسبة السحابية ليس مجرد وعد، بل حقيقةٍ أربكت الأسواق.
ما إذا كانت هذه القوة ستستمر، سيعتمد على ما إذا كانت البيانات القادمة ستدعم التفاؤل أم تكشف الفجوات التي تجاهلها المستثمرون أثناء ارتسائهم.
إخلاء المسؤولية:
تُعد المعلومات الواردة في هذا المقال دقيقة وقت نشرها، إلا أن ظروف السوق والبيانات الاقتصادية قد تتغير بسرعة. هذا المحتوى مخصص لأغراض معلوماتية فقط ولا ينبغي اعتباره أساساً وحيداً لاتخاذ قرارات مالية.
في العاشر من سبتمبر عام 2025، ضجّت العناوين حول العالم بخبرٍ لافت: "إيلون ماسك يفقد لقب أغنى رجل في العالم" لكن الحدث لم يستمر سوى بضع ساعات.
ففي تمام الساعة 10:10 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، تجاوز مؤسس شركة "أوراكل"، لاري إليسون، ثروة ماسك على مؤشر بلومبيرغ للمليارديرات، وهو تصنيف يُحدَّث يومياً في الوقت الفعلي. غير أنّ الأمور انقلبت مجدداً مع إغلاق الأسواق عند الرابعة مساءً، حيث استعاد ماسك موقعه في القمة.
خلال السنوات الثلاث الماضية، حافظ ماسك في معظم الوقت على الصدارة، رغم أن برنار أرنو من مجموعة LVMH وجيف بيزوس من أمازون قد نجحا في انتزاعها لفترات امتدت أسابيع أو حتى أشهر، كلما تعثرت "تسلا" أو ارتفعت أسهم شركاتهما.
إلا أن يوم 10 سبتمبر كان مختلفاً في سرعته غير المسبوقة:
قفزة إليسون لم تدم إلا لساعات قليلة، لكنها كانت كافية لتجاوزه ماسك مؤقتاً. لم يكن ذلك محض صدفة زمنية، بل دليلاً على مدى سرعة تأثر الأسواق بالأخبار، وكيف يمكن ليوم تداولٍ واحد تحكمه عواطف المستثمرين أن يعيد رسم خريطة مؤشر بلومبيرغ للمليارديرات.
قوة انحياز الارتساء
ما علاقة العواطف بتبدّل المراتب في قائمة أغنى أغنياء العالم?
الإجابة ملخصّة في كلمة واحدة: الارتساء.
انحياز الارتساء هو ميلنا إلى التمسك بالرقم الأول الذي نراه وجعله معياراً للحكم على ما يليه، حتى لو كشفت الصورة الكاملة غير ذلك.
في 10 سبتمبر، تفاعل المتداولون مع تقرير أرباح شركة "أوراكل" التي يرأسها إليسون، مستندين إلى رقمٍ واحد سيطر على السرد الإعلامي.
ذلك الرقم أصبح المرساة التي دفعت سهم الشركة إلى الصعود الحاد، ومنحت إليسون ثروة مؤقتة تجاوز بها إيلون ماسك.
النتيجة؟
إيلون ماسك يخسر الصدارة، ولو لساعات معدودة.